محمد بن وليد الطرطوشي
350
سراج الملوك
كما روى أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أشرف على بيت المال وفيه مال ، فقال : يا بيضاء ويا حمراء ، ابيضّي واحمرّي وغرّي غيرى ، ثم أمر فقسّم جميع ما فيه على المسلمين ، وأمر قنبرا « 1 » أن يكنسه ويرشه ، ثم دخل فصلى فيه . ثم كثير من الملوك ساروا في الأموال على نحو هذه السيرة ، من ملوك الإسلام وملوك الروم ، ومعظم ما أهلك بلاد الأندلس وسلّط عليها الروم : أن الروم التي كانت تجاوزنا لم تكن لهم بيوت أموال ، وكانوا يأخذون الجزية من سلاطين الأندلس ، ثم يدخلون الكنيسة فيقسمها سلطانهم على رجاله بالطاس « 2 » ويأخذ مثل ما يأخذون ، وقد لا يأخذ شيئا منها ، وإنما كانوا يصطنعون بها الرجال ، وكانت سلاطيننا تحتجب الأموال وتضيع الرجال ، فكان للروم بيوت رجال ، وللمسلمين بيوت أموال ، فبهذه الخلة قهرونا وظهروا علينا . وكان من يذهب هذا المذهب ولا يدخر الأموال تضرب فيه الأمثال ، ويقال : عدو الملك بيت المال ، وصديقه جنده ، فإذا ضعف أحدهما قوي الآخر ، وإذا ضعف بيت المال ببذله للحماة ، قوى الناصر واشتد بأس الجند وقوى الملك ، وإذا قوى بيت المال وامتلأ بالأموال ، قلّ الناصر وضعفت الحماة ، فضعف الملك ، فوثبت عليه الأعداء ، وقد شاهدنا ذلك في بلاد الأندلس مشاهدة . وإذا كان الدفاع في الرجال لا في الأموال ، وإنما يدفع بالأموال بواسطة الرجال ، فلا شك أن بيت رجال ، خير من بيت مال . وقد قال بعض الملوك لابنه ، يا بنى : لا تجمع الأموال ، لتتقوّى بها على الأعداء ، فإن في جمعها تقوية الأعداء . يعنى : إذا جمعت الأموال أضعفت الرجال ، فيطمع فيك الصديق ، ويثب عليك العدو . وإنما مثل الملك في مملكته ، مثل رجل له بستان فيها عين معينة « 3 » ، فإذا هو قام على البستان ، فأحسن تدبيرها فهندس أرضها وغرس أشجارها ، وحظر
--> ( 1 ) قنبر : خادم علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ( 2 ) الطاس : إناء يشرب فيه . ( 3 ) عين معينة : عين جارية ، جرى ماؤها جريا سهلا .